الشيخ محمد علي الأراكي
251
أصول الفقه
لكن يرد عليه - مضافا إلى أنّ العرف لا يلاحظون حصول النعيم في الآخرة ، بل يصدق عندهم عنوان الضرر والحرج على الضرر النفسي والعرضي والمالي وإن كان بإزائه مثوبة اخرويّة - أنّ القاعدتين على هذا لا حكومة لهما على سائر القواعد في موارد ثبوت الضرر والحرج كما يأتي إثباتها في المقام الثالث ، بل يكون لتلك القواعد ورود عليهما ، وذلك لانتفاء موضوع القاعدتين بعد كشف إطلاق تلك القواعد عن ثبوت المنفعة الأخروية في تلك الموارد . فالأولى أن يقال في دفع أصل الإشكال أنّ معنى نفي الضرر والحرج في الدين نفي الضرر والحرج الحاصلين بعد حفظ أصل الدين ، فلا تتعرّض القاعدة للضرر والحرج الحاصلين بنفس المجعول ، بل تتعرّض للحاصل منهما بواسطة الخصوصيات الخارجة عن المجعول ، مثلا ما يقتضيه طبع الوضوء من الحرج مقدار معيّن ، فإذا زاد على هذا المقدار ما يسمّى حرجا عرفا فلا يستند هذه الزيادة إلى الوضوء ، بل إلى أمر آخر كعلّة مزاج الفاعل أو شدّة برودة الهواء خارجا عن المتعارف أو غير ذلك ، فحينئذ يصدق أنّ في الوضوء قسمين ، قسما حرجيّا يعنى ما يكون الحرج فيه زيادة على حرج أصل الوضوء ، وقسما غير حرجيّ يعنى ما لا يكون الحرج فيه زيادة عليه ، فيصحّ أن يقال : إنّ الحرج في الوضوء منفي ، لا أنّه لا حرج في أصل الوضوء . وكذلك ما يقتضيه طبع الزكاة من الضرر مقدار معيّن ، فإذا زاد عليه ما يسمّى ضررا عرفا فلا يستند هذه الزيادة إلى أصل الزكاة ، بل إلى أمر آخر من ظلم ظالم وغيره ، فيصحّ أن يقال : إنّ في الزكاة قسمين ، قسما ضرريا وقسما غير ضرري ، فالمنفيّ فيها هو القسم الضرري ، لا أنّه لا ضرر في أصل الزكاة . والحاصل أنّ مفاد القاعدة نفي الضرر والحرج الحاصلين في أقسام المجعولات لا في أنفسها ، وهذا المعنى له ثمرتان ، الأولى : عدم لزوم تخصيص الأكثر كما هو واضح ، والثانية : عدم إمكان التمسّك بالقاعدة لنفي الحكم الحرجي المشكوك الابتدائي ، لما فرض من عدم تعرّضها للحرج الحاصل بأصل الجعل ، و